لماذا تفشل الموارد البشرية في "بناء الثقافة المؤسسية" في غياب أدوار المديرين التنفيذيين؟

blog-details

المديرين التنفيذيين الموارد البشرية الثقافة المؤسسية

قال بيتر دراكر: "الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار"، وهذا ما يفسر لماذا كثير من الشركات تفشل في تحقيق نتائجها رغم خططها المدروسة. وهذا ينطبق على بيئة الأعمال التنافسية في الخليج؛ إذ يمكن لأية شركة أن تقلد استراتيجيات منافسيها، لكن لا أحد يستطيع نسخ ثقافة المؤسسة الحقيقية.

يظنّ كثير من القادة أنّ بناء الثقافة المؤسسية مهمة الموارد البشرية فقط، فيفوضونها لهم، ثم يتساءلون لماذا لا يتغير سلوك الموظفين أو بيئة العمل. لكن الحقيقة أنّ الثقافة تبدأ وتنتهي عند الرئيس التنفيذي نفسه؛ كل قرار يتخذه، وكل تصرف يومي يقوم به يشكّل الرسائل التي يعيشها الفريق، ويحدد مدى تطبيق القيم في الحياة العملية. الثقافة هنا ليست شعارات على الجدران، بل إرث يُصنع يومياً ويستمر أثره طويلاً.

الفرق بين "المناخ" و"الثقافة": ما الذي تبنيه حقاً؟

يحدث الخلط كثيراً بين "المناخ" و"الثقافة"، رغم أنّ الفرق بينهما هو ما يحدد نجاح أو فشل بناء الثقافة المؤسسية. فالمناخ يعكس الحالة الشعورية اليومية داخل بيئة العمل: الحماس، التوتر، الرضا أو الإحباط، وهو بطبيعته سريع التغير ويتأثر بالظروف والقرارات الآنية. أما الثقافة، فهي أعمق وأكثر رسوخاً؛ إنّها الطريقة التي يتصرف بها الأفراد عندما تغيب الرقابة، وهي الامتداد الحقيقي للقيم المؤسسية عندما تتحول إلى سلوك تلقائي لا يحتاج إلى توجيه.

وهنا يظهر بوضوح دور المدير التنفيذي في الثقافة العامة للمؤسسة، ليس كراعٍ للمبادرات، بل كمهندس يصوغ "الدستور غير المكتوب" للمؤسسة. لا يُكتب هذا الدستور في دليل الموظف بل يُبنى من خلال القيادة بالقدوة، ومن خلال القرارات التي يتخذها القائد يومياً، والتي تشكل تدريجياً بيئة العمل الإيجابية أو تقوضها. عندما يدرك القائد هذا الفرق يصبح قادراً على قيادة التغيير الثقافي في الشركات قيادةً واعية، والانتقال من إدارة مشاعر مؤقتة إلى ترسيخ سلوكيات دائمة تعكس هوية المؤسسة الحقيقية.

بناء الثقافة المؤسسية

أدوات المهندس: الركائز الثلاث لتصميم الثقافة (The Culture Framework)

لا تُبنى الثقافة المؤسسية بالشعارات، بل بتحويل القيم إلى ممارسات يومية واضحة يمكن ملاحظتها وقياسها. ويمكن فهم ذلك من خلال ثلاث ركائز أساسية:

  1. القيم المترجمة إلى سلوكيات: لا يكون للقيم المؤسسية أثر حقيقي ما لم تُترجم إلى أفعال واضحة. فلا يكفي أن تؤكد على ضرورة "النزاهة"، بل يجب أن يكون لها معنى عملي مثل "نرفض الربح السريع إذا كان غير أخلاقي". وهذا الربط بين القيم والسلوك هو ما يجعلها جزءاً من القرار اليومي، ويعزز بيئة العمل الإيجابية فعلياً، لا نظرياً.
  2. الطقوس والرموز (Rituals): التفاصيل اليومية داخل الشركة تعكس الثقافة أكثر من أية وثيقة رسمية. طريقة إدارة الاجتماعات، أسلوب النقاش، وكيفية الاحتفاء بالإنجازات كلها رسائل ثقافية مستمرة. حتى ممارسات مثل سياسة الباب المفتوح تعكس مستوى الشفافية. وتؤدي هذه الطقوس دوراً محورياً في التغيير الثقافي في الشركات؛ لأنّها تشكل التجربة اليومية للموظف.
  3. القصص (Storytelling): هنا يظهر دور المدير التنفيذي في بناء السردية العامة للشركة، فالقصص التي يتم تداولها عن موظفين جسدوا القيم في مواقف حقيقية تتحول إلى معايير غير مكتوبة توجه السلوك العام لكل موظف يعمل في هذه الشركة. ومع القيادة بالقدوة تصبح أيضاً أفعال القائد نفسها أقوى قصة تؤثر في الفريق وتشكل قناعاته.

اختبار المصداقية: "ما تتسامح معه هو معيارك الجديد"

تُختبر أية محاولة لبناء الثقافة المؤسسية فعلياً عندما تواجه حالة "الموظف النجم" الذي يحقق نتائج قوية، لكنه يضر بروح الفريق ويتجاهل القيم المؤسسية. وهنا تظهر الحقيقة بأنّ الثقافة العامة للمؤسسة ليست ما يُقال، بل ما يُقبل ويستمر.

ونستطيع فهم ذلك من خلال ثلاث نقاط:

  1. المشكلة ليست في الأداء، بل في السلوك: قد يكون الموظف مميزاً في النتائج التي يحققها لكنه يخلق توتراً أو يقلل من احترام الآخرين. مع الوقت وبسبب هذا السلوك يصبح وجود هكذا نوع من الموظفين أمر سلبي.
  2. قرارك كقائد يحدد الرسالة: هنا يتضح دور المدير التنفيذي في رسم الثقافة العامة للمؤسسة، فإذا تم التغاضي عن السلوك بسبب النتائج، سيفهم الجميع أنّ كل القيم ليست هامّةً فعلاً. أما إذا تم التعامل معه بجدية، فسيعرف الفريق أنّ القيم خط أحمر.
  3. الناس تراقب ما تفعله، لا ما تقوله: القيادة بالقدوة تعني أنّ تصرفاتك هي المعيار الحقيقي. فما تتسامح معه اليوم سيتكرر غداً. وهذا هو ما يشكل فعلياً التغيير الثقافي في الشركات، سواء كان إيجابياً أو سلبياً.

ببساطة: الثقافة تُبنى من القرارات الصعبة، وليس من الكلمات الجميلة.

التغيير الثقافي في الشركات

لماذا لا يمكنك رؤية ثقافتك بوضوح: دور الكوتشينغ التنفيذي

يتمثّل أحد أكبر التحديات في بناء الثقافة المؤسسية في أن القائد غالباً ما لا يرى الصورة كاملة. فكلما ارتفعت في المنصب، كلما أصبحت المعلومات التي تصلك "مفلترة". الموظفون لا يكذبون لكنهم يظهرون أفضل ما لديهم ويتجنبون نقل المشكلات أو الصعوبات، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بالقيم المؤسسية أو تؤثر في بيئة العمل الإيجابية.

في كثير من الأحيان تكون الصورة التي يراها القائد غير دقيقة؛ ما يُقال في الاجتماعات يختلف عمّا يُمارس خلف الأبواب المغلقة. إضافة إلى ذلك فسلوك القائد نفسه يرسل رسائل ثقافية قوية، سواء كان يقصد ذلك أم لا. طريقة تواصله، رد فعله على الأخطاء، وحتى تجاهله لبعض المواقف، كلها تحدد كيف يفهم الفريق القيم المؤسسية، وبالتالي تشكل التغيير الثقافي في الشركات على أرض الواقع.

هنا يأتي دور الكوتش التنفيذي، مثل الكوتش في منصة "آندغرو"، الذي يعمل كمرآة صادقة للقائد. حيث يبين لك كيف تؤثر كلاً من أفعالك اليومية وأسلوبك بالتواصل وقراراتك على الجو العام، ويساعدك على مواءمة نيتك مع أثرك الفعلي؛ إذ يصبح المدير التنفيذي قادراً على ممارسة القيادة بالقدوة وبوعي كامل.

ختاماً

الثقافة هي الإرث الحقيقي الذي يتركه القائد في المؤسسة، ولا يُقاس نجاح أية استراتيجية طويلة الأمد بالإنجازات الفورية فقط، بل بالبيئة التي تتركها وراءك. لذا، فإنّ بناء الثقافة المؤسسية القوية هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن استمرار النجاح بعد مغادرتك؛ لأنّه يحول القيم إلى سلوكيات يومية، ويجعل بيئة العمل الإيجابية جزءاً من النظام نفسه. فلا تكن مجرد مدير ينفذ المهام، بل كن المهندس الذي يصمم بيئةً يزدهر فيها الجميع ويستمر فيها تأثيرك الإيجابي على المنظمة.

هل تعكس ثقافة شركتك طموحاتك أم تعوقها؟

لا تترك بيئة العمل للصدفة. احجز جلسة استراتيجية مع 'كوتش تنفيذي' في "آندغرو"، وابدأ بهندسة ثقافة مؤسسية تجذب المواهب، تحفز الابتكار، وتحقق الرؤية.

هذا المقال من إعداد المدرب ابراهيم محمد، كوتش معتمد من Andgrow.

المصادر

دعنا نساعدك

دعنا نساعدك

Achieve your goals and get the support you need. Contact us and start the journey of change you want.
تواصل معنا الآن

آخر المدونات

دور الكوتشينغ في تحسين تركيز الطلاب المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD): استراتيجيات فعّالة ونصائح للمعلمين

يُشخَّص قرابة 5% من الأطفال في سِنِّ المدرسة عالمياً باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، وهو اضطراب عصبي تطوري غالباً ما يستمر حتى مرحلة البلوغ، اقرأ المزيد

كيف يعزز الكوتشينغ التنفيذي ثقافة الابتكار وحل المشكلات داخل المؤسسات؟

هل يمكن أن يكون الكوتشينغ التنفيذي هو المفتاح السري لخلق بيئة عمل مليئة بالإبداع والحلول غير التقليدية؟ تواجه المؤسسات في عالم الأعمال المتغير باستمرار تحديات اقرأ المزيد

ما هو الكوتشينغ؟ وبماذا يختلف عن المنتورينغ والتعليم والاستشارة؟

الكوتشينغ ببساطة هو عملية تهدف إلى تحسين الأداء وتركز في الوقت الحاضر بدلاً من التركيز في الماضي البعيد أو المستقبل. في حين أنَّه يوجد العديد اقرأ المزيد

اشترك الآن واحصل على آخر المقالات والأبحاث والمنتجات التي تجعلك أقوى من أي وقت قد مضى.