القائد بوصفه كوتشاً: نهاية عصر "الإدارة بالتلقين" وبداية عصر "هندسة الأداء"

blog-details

الكوتشينغ القيادي القائد ككوتش هندسة الأداء

تخيَّل مشهداً مألوفاً في مكتب بأحد الأبراج في دبي أو الرياض: هاتف المدير لا يتوقف عن الرنين، والاجتماعات تتوالى، والموظفون يقفون عند مكتبه في انتظار الموافقة على أبسط القرارات. هذا هو فخ الكفاءة حين يصبح المدير هو عنق الزجاجة؛ لأنَّه الأفضل في حل المشكلات، ويبدو أنَّ كل شيء، يتوقف عليه.

يكمن الحل في التحول إلى عقلية القائد بوصفه كوتشاً، هذا التحوُّل ليس رفاهية إدارية؛ بل ضرورة حقيقية في سوق سريع التغير، فالقدرة على تمكين الفريق وتفويض التفكير ليست رفاهية؛ بل عنصراً حاسماً لضمان استدامة الأداء، والحفاظ على الطاقة القيادية، وتحويل الموظفين من منفذين للأوامر إلى حلَّالين للمشكلات مستقلين وفاعلين.

تشريح التحول القيادي: الانتقال من عقلية "أنا أعرف" إلى "أنا أسأل"

في كثير من المؤسسات في الخليج، ما يزال المدير التقليدي يمثل النموذج السائد: قائد يعتمد على الامتثال، ويقدِّم الإجابات الجاهزة، ويُحمِّل الفريق مسؤولية الأخطاء. هذا الأسلوب يبدو فعالاً على الأمد القصير، لكنه يخلق بيئة تعتمد كلياً على حضور المدير وخبرته، ما يُبطِّئ القرار ويستنزف الذهن. في المقابل، يظهر القائد بوصفه كوتش أسلوب قيادة أكثر ذكاءً وواقعية؛ لأنه لا يكتفي بتوجيه الفريق؛ بل يهندس طريقة تفكيرهم من خلال طرح الأسئلة والتعامل مع الأخطاء بوصفها فرصاً لتنمية القدرات، وهو جوهر تطوير القادة وعماد القيادة التحويلية.

تشير التحليلات إلى أنَّ الفرق التي يقودها قائد يتبنَّى أساليب الكوتشينغ للقيادة الفعالة تسجِّل مستويات أعلى من الاحتفاظ بالكفاءات، خصيصاً بين جيل الألفية والجيل Z في المنطقة. لا يعود السبب للمرونة فقط؛ بل للشعور بالمعنى والتمكين، فالموظفون الأصغر سناً يتوقعون قائداً يمنحهم مساحة للتفكير والمبادرة، وليس مجرد منفذ للأوامر.

عندما يتحول المدير من عقلية "أنا أعرف" إلى "أنا أسأل"، لا تتغير جودة الإجابات فحسب؛ بل تتغير ملكيتها، لتنتقل من مكتب المدير إلى عقل الفريق وهو ما يجعل الأداء أكثر استدامة وأقل اعتماداً على شخص واحد.

التحول القيادي

مصفوفة المهارات الثلاث: كيف تمارس الكوتشينغ دون أن تفقد هيبتك؟

لا يزال بعض القادة في الخليج يخلطون بين ممارسة أسلوب القائد بوصفه كوتشاً وبين فقدان الهيبة. لكنَّ الحقيقة أنَّ الكوتشينغ، لا ينتقص من السلطة؛ بل يزيدها نضجاً وعمقاً ويعزز الكوتشينغ للقيادة الفعالة بوصفها أداة عملية لرفع الأداء. فالقائد الذي يمكِّن فريقه بدلاً من التحكم فيه يبني ثقة أقوى، ويخلق بيئة ترتفع فيها المسؤولية الفردية، ما يدعم تطوير القادة ويمهِّد لممارسة القيادة التحويلية داخل المؤسسة.

المهارة الأولى: السؤال الاستفزازي للتفكير

بدلاً من الأسلوب التقليدي القائم على إصدار التعليمات المباشرة، يعتمد القائد الكوتش على أسئلة تُشغِّل عقل الموظف، مثل: "ما الحل الذي تقترحه؟ وما سبب اختيارك له؟" هذا النمط لا يضعف سلطة القائد؛ بل يعزز مكانته بوصفه منظِّماً للتفكير ومهندس للأداء، وينقل عبء إيجاد الحلول إلى الفريق نفسه.

المهارة الثانية: الإنصات لما وراء الكلمات

يصبح الإنصات العميق في بيئات العمل الخليجية متعددة الثقافات مهارة حاسمة، فالقائد الفعال يلتقط الإشارات غير اللفظية، ويفهم ما بين السطور، ويستنتج ما يحفِّز الموظف أو يعوقه. هذا الوعي يمكِّنه من اتخاذ قرارات أكثر دقة، ويمنحه قدرة على إدارة التوقعات والعلاقات بثقة وهدوء.

المهارة الثالثة: التغذية الراجعة المستقبلية (Feedforward)

يعتمد القائد الكوتش بدلاً من التركيز على ما حدث في الماضي أسلوب (feedforward) الذي يوجه الانتباه تجاه الخطوة المقبلة: "ما الذي سنفعله فعلاً أفضل في المرة القادمة؟" هذا النهج يقلل الحساسية واللوم، ويرفع مستوى التعلم المستمر، ويخلق ثقافة تتعامل مع الأخطاء بوصفها بيانات تطوير لا بوصفها إخفاقات شخصية.

يمارس الكوتشينغ بهذه المهارات الثلاث قيادية ناضجة تمنح القائد حضوراً أقوى، وقدرة أعلى على بناء فرق تفكر وتحل المشكلات بذكاء واستقلالية.

متى تكون مديراً ومتى تكون كوتشاً؟ الدليل التنفيذي للفصل بين الأدوار

يواجه عدد من القادة في الخليج تحدياً حقيقياً في التفريق بين دور المدير ودور القائد بوصفه كوتشاً. هذا التداخل يربك الفريق ويضعف فاعلية العمل؛ لذلك يصبح اعتماد إطار واضح جزءاً أساسياً من تطوير القادة وتعزيز الكوتشينغ للقيادة الفعالة في بيئة تتطلب قيادة تحويلية أكثر نضجاً ومرونة.

متى تكون مديراً؟

استخدم هذا النمط عندما تحتاج المؤسسة إلى سرعة وحسم، تحديداً في الحالات التالية:

  • وقت الأزمات الفورية أو التهديدات التشغيلية.
  • عند اقتراب المواعيد النهائية الضيقة التي تتطلب توجيهاً مباشراً لتجنب الأخطاء.
  • عندما تكون جودة التسليم على المحك ويحتاج الفريق إلى قرار واضح وفوري.

يعمل القائد في هذه اللحظات بوصفه مديراً حازماً يتخذ القرارات بسرعة ويحدد الخطوات اللازمة لتنفيذ المهام بأعلى قدر من الدقة.

متى تكون كوتشاً؟

انتقل إلى أسلوب الكوتشينغ عندما يكون الهدف تنمية العقول وليس فقط إنجاز المهام:

  • عند تطوير مهارات الفريق وبناء الجيل القيادي التالي.
  • عند مواجهة مشكلات متكررة ترغب في حل جذورها لا أعراضها.
  • عند تمكين الفريق ليصبح أكثر اعتماداً على ذاته في التفكير وصنع الحلول.

هنا يطرح القائد الأسئلة، ويعمِّق التفكير، ويخلق بيئة يتملك فيها الفريق الحلول بدلاً من انتظار التعليمات.

لماذا هذا هام في سياق التوطين؟

تؤدي هذه المنهجية دوراً محورياً في برامج التوطين في الخليج؛ إذ تهدف المؤسسات إلى:

  • بناء كفاءات وطنية مستدامة لا تعتمد كلياً على المدير أو الخبير الأجنبي.
  • رفع قدرة المواهب الوطنية على اتخاذ القرار وحل المشكلات من خلال تدريبهم على التفكير القيادي.
  • تحويل فرق العمل إلى منظومات تنتج خبراتها داخلياً بدلاً من انتظار التوجيه من أعلى.

يصبح القائد بهذا الفصل الواضح بين الدورين أكثر مرونة وتأثيراً، ويمارس القائد بوصفه كوتشاً دون أن يفقد قوة الحسم عند الحاجة.

التحول القيادي

لن تستطيع القيادة بوصفك كوتشاً، إذا لم تُجرب الكوتشينغ بنفسك

يميل عدد من القادة في المنطقة إلى تبنِّي مفهوم القائد بوصفه كوتشاً نظرياً فقط، لكنَّ الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، هي أنَّ الكوتشينغ مهارة لا تُكتسب من الكتب ولا من الدورات العامة؛ إنها عضلة قيادية لا تعمل إلا بالتمرين والممارسة الفعلية.

تظهر هنا المفارقة: كيف تتوقع أن تطور فريقك، بينما لم تستثمر أنت أولاً في تطوير أدواتك القيادية؟ إنَّ بناء عقلية تمكينية، هو جوهر تطوير القادة وشرط أساسي لممارسة الكوتشينغ للقيادة الفعالة بمستوى يعكس نضج القيادة التحويلية داخل المؤسسة.

يشبه القائد الذي يطلب من فريقه النمو بينما يظل هو على المستوى نفسه مدرب اللياقة الذي لم يسبق له الدخول إلى صالة التدريب؛ لذلك، يصبح خوض تجربة الكوتشينغ الشخصية خطوة إلزامية لكل من يريد تطبيقه بفاعلية. عندما يجلس القائد مع كوتش محترف، يختبر الأدوات التي يريد لاحقاً استخدامها مع فريقه: فن الأسئلة، وإعادة صياغة التفكير، وفهم مواقف العمل من زوايا مختلفة.

يأتي هنا الحل العملي: نقدِّم في آندغرو برامج الكوتشينغ القيادي التي لا تعتمد على المحاضرات أو النظريات؛ بل على جلسات واحد لواحد مع كوتشز تنفيذيين سابقين يعرفون واقع القيادة اليومية بكل ضغوطاتها وتعقيداتها. هذه الجلسات تفك شفرة أسلوبك القيادي، وتطور طريقة اتخاذ القرار، وتحول أسلوبك من إدارة قائمة على الإجابات إلى قيادة تُهندس الأداء من خلال الأسئلة والتمكين.

بهذه التجربة، لا تتعلم الكوتشينغ فحسب؛ بل تعيشه ومن يعيش الكوتشينغ يمكنه أن يقوده بثقة، وتأثير، ونتائج قابلة للقياس.

ختاماً

لم تعد المؤسسات في الشرق الأوسط بحاجة إلى مدراء يصدرون الأوامر فقط؛ بل تبحث عن قائد بوصفه كوتشاً قادراً على صناعة قادة جدد، وتمكِّن الفرق من التفكير واتخاذ القرار بذكاء. لا تبني منهجية القائد بوصفه كوتشاً رفاهية إدارية؛ بل استثماراً استراتيجياً لضمان استدامة مؤسستك، وتعزيز أداء فريقك، والحفاظ على راحتك الذهنية.

 

هل أنت مستعد للتوقف عن الإدارة التقليدية والبدء في القيادة الحقيقية؟ يمتلك فريقك إمكانات كامنة تنتظر القائد المناسب لإطلاقها. احجز استشارتك الآن مع خبير في الكوتشينغ القيادي من خلال منصة آندغرو، وابدأ رحلة التحول لِقيادة أكثر ذكاءً وتأثيراً.

هذا المقال من إعداد المدرب عدنان القاضي، كوتش معتمد من Andgrow.

المصادر

دعنا نساعدك

دعنا نساعدك

Achieve your goals and get the support you need. Contact us and start the journey of change you want.
تواصل معنا الآن

آخر المدونات

الكوتشينغ لتحقيق السكينة والمودة في بداية الحياة الزوجية

تحدِّد البداية الصحيحة لأي زواج مساره لسنوات قادمة، فاللحظات الأولى تحمل معها كثيراً من التوقعات والأحلام، لكنَّها قد تصطدم أحياناً بتحديات الواقع، وهنا يأتي دور اقرأ المزيد

دور العلاج المعرفي السلوكي في الكوتشينغ: خطوات قصيرة لإدارة الضغوطات اليومية

تتزايد الضغوطات اليومية باستمرار في عالمنا المعاصر، مما يجعل إدارتها ضرورة مُلحَّة للحفاظ على الصحة النفسية والأداء الشخصي والمهني. يؤدي العلاج المعرفي السلوكي (CBT) دوراً اقرأ المزيد

دور الكوتشينغ التنفيذي في اتخاذ القرارات الحاسمة وحل المشكلات

كيف يمكن للكوتشينغ التنفيذي أن يكون العامل الحاسم في اتخاذ القرار وحل المشكلات المعقدة؟ تتزايد في عالم الأعمال سريع التغير التحديات التي تواجه القادة والمديرين اقرأ المزيد

اشترك الآن واحصل على آخر المقالات والأبحاث والمنتجات التي تجعلك أقوى من أي وقت قد مضى.